فخر الدين الرازي

66

تفسير الرازي

والاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى * ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) * ( الصف : 14 ) . المسألة الثانية : قوله * ( إلى الله ) * فيه وجوه الأول : التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني : التقدير : من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى الثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى : * ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) * ( النساء : 2 ) أي معها ، وقال صلى الله عليه وسلم : " الذود إلى الذود إبل " أي مع الذود . قال الزجاج : كلمة * ( إلى ) * ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن * ( إلى ) * تفيد الغاية و * ( مع ) * تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن * ( إلى ) * ههنا بمعنى * ( مع ) * هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله * ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) * ( النساء : 2 ) أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : " الذود إلى الذود إبل " معناه : الذود مضموماً إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى " اللّهم منك وإليك " أي تقرباً إليك ، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياه * ( إلى ) * أي انضم إلى ، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس : أن يكون * ( إلى ) * بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى : * ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ) * ( يونس : 35 ) والسادس : تقدير الآية : من أنصاري في سبيل الله . و ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن . أما قوله تعالى : * ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في لفظ * ( الحواري ) * وجوهاً الأول : أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير : " إنه ابن عمتي ، وحواري من أمتي " والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم . القول الثاني : الحواري أصله من الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه قيل للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون